المتأمل في العقيدة والشريعة يجد بينما توافق في الخصائص والصفات ذلك أن العقيدة والشريعة شيء واحد ليس بينهما فرق كما يظن البعض وهذا التقسيم أمر طارئ دعت إليه ضرورة التأليف والتعليم ويمكن ذكره الخصائص والصفات المشتركة بين كل من الشريعة والحياة فيما يلي:
أولاً: وحدة المصدر: فالعقيدة والشريعة مصدرهما واحد ، وهو أنهما وحي من الله - تعالى - تضمنا خبره وأمره، وشرعه ووعده.
ثانياً: وحدة الخصائص: بما أن العقيدة والشريعة مصدرهما واحد، وقد صدرا ممن هو متصف بصفات الكمال – سبحانه- فخصائصهما واحدة ، كالربانية وكالشمول ، والكمال والصلاحية، والتناسق والتلازم. هذا من جانب، ومن جانب آخر نجد أنهما لا ينفصلان من الناحية التعبدية ؛ فالله تعبدنا بهما معاً.. بالتصديق والتسليم ، والطاعة والتوحيد، والإيمان والعمل ، والجزاء يوم القيامة.
ثالثاً: وحدة الأهداف والغايات: العقيدة والشريعة أهدافها وغاياتها واحدة ؛ فهما يحققان سعادة الإنسان في الدنيا، من حيث إسعاد قلبه وروحه وفكره .. بالاعتقاد السليم ، وإصلاح عمله وقوله وجسمه بالشرع القويم ، وتحقيق الفلاح والنجاح والحياة السعيدة الخالدة ، والنعيم المقيم في الآخرة، بهما معاً لا بأحدهما دون الآخر ، كما أنه لا تتحقق الغاية من الدين، من تحقيق العدل ورضا الله – سبحانه- وثوابه وجزائه إلا بهما.
رابعاً: وحدة الأسس والمقومات: فالعقيدة والشريعة لا تستقيم إلا بمقومات واحدة هي: العبودية لله بهما. والتصديق والتسليم، والالتزام والرضا ، والطاعة والتحاكم ،وغيرها من الأسس والمقومات التي يعتمد عليها الدين.
خامساً: وحدة الجزاء في الدنيا والآخرة: فإن الله – تعالى - رتب الأحكام ومصائر الناس في الدنيا والآخرة على العمل بالعقيدة والشريعة معاً، فكما أمر الله – تعالى- بقتال المشركين والكفار - وهم الذين ضلوا في الاعتقاد والعمل- حيث قال: (وقاتلوا المشركين كافة) (سورة التوبة، الآية:36). وقال: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) [سورة التوبة، الآية:73]. وقال – تعالى- عن مصيرهم في الآخرة: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها) [سورة البينة، الآية:9]. كذلك أمر الله – تعالى- رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يقاتل من يترك أحكام الدين وفرائضه ، فقال - صلى الله عليه وسلم-: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" [أخرجه البخاري ومسلم]. كذلك حكم الله – تعالى- بالخلود في النار على من عصى الله ورسوله ، والعصيان إنما يتوجه إلى الأعمال الظاهرة (وهي الشريعة )،ثم الباطنة (وهي العقيدة) فقال – تعالى-: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها) [سورة الجن، الآية: 23].
خامساً: العمل بالشريعة مطلب ضروري من مطالب العقيدة: إن العمل بالشريعة والتسليم بها الهدف الأول من أهداف العقيدة ، والغاية الأسمى من غاياتها، والمطلب الأساسي من مطالبها ، وهذه الميزة مما ينفرد بها الإسلام عن الديانات والملل والمناهج القديمة والمعاصرة التي هي إما وضعية ؛كالمجوسية والبوذية ،والشيوعية والعلمانية مثلاً ، أو كتابية محرفة ؛كاليهودية والنصرانية. فما من ديانة في الأرض اليوم إلا وهي من الناحية العملية تفصل الدين عن الدولة؛ بسبب هيمنة العلمانية والاتجاهات المادية الإلحادية على العالم ، ولأنها مناهج قاصرة ناقصة ، ولا مقارنة بينها وبين دين الله وشرعه الكامل. وكل النصوص التي تقرن العمل الصالح بالإيمان ، والإسلام بالإيمان، وصحة الإيمان بالتسليم والطاعة، تقتضي بالضرورة بأن العمل بشرع الله مطلب عقدي إيماني حتمي ..قال الله – تعالى-: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) فجعل الحكم بشرع الله والتحاكم إليه والرضا بحكمه شرطاً لصحة العقيدة والإيمان. ومثله قوله – تعالى-: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) [سورة النور، الآية:47]. فقد نفى الإيمان الاعتقادي عمن ترك العمل وتولى عن شرع الله. وقال: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) [سورة النساء، الآيتان: 60-61]. فبين أن التحاكم إلى غير شرع الله ينافي الإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم- وبما أنزل إليه من الشرع والهدى. وقال: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين. وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) [سورة النور الآيات: 47- 51]. فجعل الإذعان شرطاً للإيمان. وقال: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) [سورة الحجرات، الآية: 15]. وقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) [سورة الأنفال، الآيتان: 2- 4]. فبين أن الإيمان الحق لا يتحقق إلا بالعمل بالتحاكم إلى شرع الله والعمل بفرائض الدين وأحكامه. وقال: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) وقال - صلى الله عليه وسلم-: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" [متفق عليه ]. فجعل مخالفة الشرع في ارتكاب العمل المحرم مؤثرة في الإيمان ، وهو أمر اعتقادي. وقال - صلى الله عليه وسلم-: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" [ رواه أحمد، وصححه ابن حبان، صحيح الجامع الصغير] فجعل مخالفة الأمانة والعهد مؤثرة في الأمر الاعتقادي وهو (الإيمان). وقال - صلى الله عليه وسلم-: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه" [أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب 10/370]. فنفى الإيمان عمن لم يعمل بالأمر الشرعي المقتضي لتحريم الأذى على الجار لجاره. وكذلك من لم يؤد الفرائض الشرعية لا يحكم له بحكم الإيمان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومتواتر أيضاً أنه [يعني النبي - صلى الله عليه وسلم-] لم يحكم لأحد بحكم الإيمان إلا أن يؤدي الفرائض" [الإيمان ص108]. ولما سئل الإمام أحمد –رحمه الله- عمن يقولون: "من أقر بالصلاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت ، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً .. إذا كان مقراً بالفرائض " ، قال الإمام أحمد: "من قال هذا فقد كفر بالله ورد على [الله] أمره، وعلى الرسول ما جاء به "[الإيمان ص175]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه كقوله –تعالى-: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين. وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) [سورة النور، الآيات47- 51]. فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله للحكم بينهم سمعوا وأطاعوا فبين أن هذا من لوازم الإيمان" [ الإيمان ص184-185].