وقفات حول رمضان والأهلة
الوقفة الأولى: علق الشرع المناسبات والعبادات كالصوم والعيد والحج والعدد ونحوها بالرؤية لا بالحساب الفلكي ولا غيره قال تعالى عن الأهلة : ( قل هي مواقيت للناس والحج ) والله تعالى يعلم أن العلوم الفلكية ستتطور وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن رمضان : " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ". البخاري. وهذا حكم باق إلى قيام الساعة والتجربة أثبتت تناقض تقديرات الفلكيين.
الوقفة الثانية: في السنوات الأخيرة ولما كثر التعالم والجدل والمراء في الدين, كثر خوض الناس عن دخول رمضان والعيدين والحج والمناسبات الشرعية وهل يكون بالرؤية أو بالحساب الفلكي، وأكثر ما يتحدثون به هو من القول على الله بغير علم، والجرأة في الدين والافتيات على العلماء، وهذا إثم عظيم فالله تعالى يقول: ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) . وعلى هذا فإنه من الجهل وعدم الفقه في الدين إصرار بعض الفلكيين ( ومن شايعهم ) على تعليق دخول رمضان والأعياد والحج وغيرها بالحساب مع العلم بأن الله علقه بالرؤية والمرجعية في ذلك لعلماء الشريعة، والعجيب أن الفلكيين يختلفون ( كل عام ) في حسابهم لدخول رمضان وكل منهم يجزم برأيه. وهذا كاف في عدم اعتبار قولهم وفي وجوب ربط دخول الشهر برؤية الهلال.
ومما يؤكد أن دخول الشهور القمرية يكون برؤية الهلال ( لا بالحساب الفلكي) أن سائر الأحكام الشرعية كالعدد والعقود وغيرها تتعلق بالأهلة باتفاق المسلمين، بل ذكر شيخ الإسلام (رحمه الله) إجماع المسلمين على أنه لا يجوز العمل بخبر أهل الحساب في الصوم والحج والعدة والإيلاء، وأن النصوص مستفيضة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم-أنظر الفتاوى25/132.
ومما قد يجهله كثيرون أن العبرة في دخول الشهر هي برؤية الهلال من الأرض في الأفق ولا اعتبار لما يحدث للهلال فلكيا في السماء ، وهذا ما دلت عليه النصوص، قال تعالى عن الأهلة ( قل هي مواقيت للناس والحج ) وقال صلى الله عليه وسلم:" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " أي الهلال في الأفق.
الوقفة الثالثة: من الظواهر السيئة أن كثيرا من المسلمين يستقبلون رمضان بالإسراف والتبذير في المأكولات والمشروبات، والسهر على اللهو والعبث وفضول الأمور، وربما على المعاصي والمنهيات، والانفلات في الأسواق، والكسل عن العبادات والطاعات وفعل الخيرات التي هي الغاية من الصيام قال تعالى ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ).
الوقفة الرابعة: من المنكر العظيم أن أكثر وسائل الإعلام مع الأسف تحشد لرمضان ما يتنافى مع كرامة هذا الشهر الكريم والغاية منه، وتتولى كبرها في عرض ما يفسد العقيدة والأخلاق، من المسلسلات وأنواع الفسوق والآثام، وتتسابق إلى ما يهدم القيم والفضائل، وتصد الناس عن ذكر الله وعن الطاعات، والله حسبنا ونعم الوكيل.
الوقفة الخامسة: الغاية من الصيام تحصيل تقوى الله تعالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) فيجب على كل مسلم أن ينتهز فرصة هذا الشهر الكريم؛ فإن الصيام يعين على تربية النفس على الجد والاجتهاد في فعل الطاعات وبذل الخير والإحسان إلى الخلق، وترويض النفوس على الصبر ولزوم العبادة وعلى الكف عن الشهوات والمعاصي، ورديء الأخلاق وعن أذى الناس والظلم والعدوان. قال النبي صلى الله عليه وسلم ( الصوم جنة ) أي وقاية وحماية وذلك للقلوب والنفوس والأجساد، فإن للصوم تأثيرا عجيبا في علاج أمراض القلوب وأدواء النفوس، وزلات الجوارح، فالصوم يكسر النفس عن بطرها وكبريائها، وذلك من خلال منعها من ملذاتها ومشتهياتها. كما أن الإحساس بالجوع والعطش حال الصيام يذكر بحق الفقراء والمساكين و بحاجة الجوعى والمعوزين والعطف عليهم.
الوقفة السادسة: أخي الصائم تذكر أن للدعاء شأن عظيم وأن للصائم دعوة لا ترد لاسيما عند الإفطار قال صلى الله عليه وسلم:"ثلاث دعوات لا ترد:دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر" وقال صلى الله عليه وسلم:" ثلاثة لا ترد دعوتهم:الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم" فاحرص أخي الصائم أن تلح على الله بالدعاء ولا تنس الدعاء لمن ولاهم الله أمر المسلمين وللوالدين والأقربين وذوي الضرورات خاصة. وللأمة وسائر المسلمين عامة بالعز و التمكين.
قال ابن القيم عن حقيقة الصيام : " فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم". زاد المعاد 2/29.
وقال ابن القيم أيضا : " وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل - عليه السلام- يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة،وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر ، والاعتكاف.
وقال ابن القيم كذلك في شهر رمضان: وكان( يعني النبي صلى الله عليه وسلم ) يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور ، حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانا ، ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة.وكان ينهى أصحابة عن الوصال، فيقولون له : إنك تواصل ، فيقول :(لست كهيئتكم إني أبيت)-وفي رواية:(إني أظل)-عند ربي يطعمني ويسقيني. زاد المعاد 2/32.
الوقفة السابعة: لهذا الشهر الكريم خصائص كبرى وفيه بشارات عظيمة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعضها في قوله:(أتاكم شهر رمضان ، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم)صحيح الجامع(55) فاحرص أخي المسلم على اغتنام هذه الفرص فقد لا تتكرر لك.